أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

395

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المؤنث وقال أبو البقاء : الذين يقولون في موضع جر صفة لمن عقل من المذكورين كأنه توهم أن الولدان « هم » الصبيان ؛ والصبيان لا يعقلون فجعله نعتا لمن عقل من المذكرين وهم الرجال والنساء دون الولدان لأن جمع السلامة في المذكر يشترط فيه العقل و « الَّذِينَ » جار مجراه وهذه غفلة لأن مراد النحويين بالعاقل ما كان من جنس العقلاء وإن كان مسلوب العقل ويدل عليه قوله تعالى : « أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا » « 1 » فالمراد هنا بالطفل الصبيان الصغار ومع ذلك وصفهم بالذين . والثاني : أن يكون منصوبا على الاختصاص . قوله : الظَّالِمِ أَهْلُها صفة للقرية ، و « أَهْلُها » مرفوع به على الفاعلية . و « أل » في « الظَّالِمِ » موصولة بمعنى التي ، أي : التي ظلم أهلها . فالظلم جار على القرية لفظا وهو لما بعدها معنى ، ومثله : « مررت برجل حسن غلامه » قال الزمخشري : « فإن قلت : لم ذكّر « الظَّالِمِ » وموصوفه مؤنث ؟ قلت : هو وصف للقرية إلا أنه مستند إلى أهلها فأعطي إعراب « الْقَرْيَةِ » لأنه صفتها وذكّر لإسناده إلى الأهل ، كما تقول : من هذه القرية التي ظلم أهلها ، ولو أنّث فقيل : « الظالمة أهلها » لجاز ، لا لتأنيث الموصوف ، بل لأن الأهل يذكّر ويؤنّث . فإن قلت : هل يجوز : من هذه القرية الظالمين أهلها ؟ قلت : نعم كما تقول : « التي ظلموا أهلها » على لغة « أكلوني البراغيث » ومنه : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا « 2 » انتهى . وهذه قاعدة كلية : أنّ الصفة إذا جرت على غير من هي له سواء كانت خبرا أم نعتا أم حالا ينعت ما قبلها في اثنين من خمسة : واحد من ألقاب الإعراب ، وواحد من التنكير والتعريف ، وأمّا بالنسبة إلى التذكير والتأنيث والإفراد وضدّيه فيحسب المرفوع بها كالفعل ، وقد تقدّم تحقيق ذلك غير مرة . ويجب أيضا إبراز الضمير منها مطلقا - أعني سواء ألبس أم لم يلبس - وأمّا إذا كان المرفوع بها اسما ظاهرا فلا حاجة إلى رفعها الضمير ، إلا أنه لا بد من راجع يرجع إلى الاسم الموصوف بها لفظا كهذه الآية . وقد أوضحت ذلك وبيّنته في هذا الكتاب وفي شرحي للتسهيل ، وهذا بخلاف الفعل إذا وصف به أو أخبر به أو وقع حالا لشيء لفظا وهو لغيره معنى ، فإن الضمير لا يبرز منه بل يستتر نحو : « زيد هند يضربها » و « هند زيد تضربه » من غير ضمير بارز لقوة الفعل وضعف الاسم في العمل ، وسواء لم يلبس - كما تقدّم تمثيله - أو ألبس نحو : « زيد عمرو يضربه » إذا قصدت أن زيدا هو الضارب لعمرو ، هذا مقتضى مذهب البصريين ، نصّ عليه مكي وغيره ، إلا أنّه قال قبل ذلك : « إلا أنّ اسم الفاعل إذا كان خبرا أو صفة أو حالا لغير من هو له لم يستتر فيه ضمير ولا بد من إظهاره ، وكذلك إن عطف على غير من هو له » . قلت : هذه الزيادة لم يذكرها النحويون وتمثيلها عسر . وأمّا ابن مالك فإنه سوّى بين الفعل والوصف ، يعني إن ألبس وجب الإبراز حتى في الفعل نحو : « زيد عمرو يضربه هو » وإن لم يلبس جاز نحو : « زيد هند يضربها » وهذا مقتضى مذهب الكوفيين فإنهم علّلوا باللبس ، وفي الجملة ففي المسألة خلاف . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 77 إلى 78 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 77 ) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 )

--> ( 1 ) سورة النور ، الآية ( 31 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 3 ) .